مدغشقر تكتب فصلاً جديدًا في بطولة "شان" توتال إنيرجيز
يعيش منتخب مدغشقر، قصة جديدة في بطولة أمم إفريقيا للمحليين "شان"، توتال إنيرجيز، بعد مشاركة أولى لافتة في نسخة 2022 التي أُقيمت في الجزائر، وتُوج فيها بميدالية برونزية. حيث عاد المنتخب الملغاشي ليؤكد أن ما حدث لم يكن صدفة، بل بداية مشروع رياضي متين. وبين هذا وذاك، يجد منتخب مدغشقر نفسه بين الأربعة الكبار في نسخة 2024، التي تجرى في شرق إفريقيا، بعدما بصم على مشوار ملهم تجاوز فيه التوقعات وأسقط المنافسين واحدًا تلو الآخر.

تجربة رائعة: من شمال إفريقيا إلى الحلم المُتجدد في شرقها
دخل منتخب مدغشقر بطولة "شان"، توتال إنيرجيز "باموجا" 2024، مُحمّلًا بذكريات النسخة السابقة، حيث أبهر الجميع ببلوغه نصف النهائي، ثم انتزاعه المركز الثالث عن جدارة واستحقاق. منح ذلك الإنجاز التاريخي اللاعبين والطاقم الفني بقيادة المدرب، رونوالد راكنتدوراب، ثقة كبيرة بأن بإمكانهم الذهاب بعيدًا في البطولة مُجددًا، لا سيما مع جيل جديد يمزج بين الطموح والحيوية والخبرة التي اكتسبها "الباريا" في ظرف قصير.

تجاوز دور المجموعات بشق الأنفس
لم يكن طريق "الباريا" إلى ربع النهائي في النسخة الحالية من البطولة، التي تجرى في ثلاث بلدان، تنزانيا، كينيا وأوغندا، مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات. أظهر المنتخب الملغاشي شخصية قوية في دور المجموعات، بعدما أوقعته القرعة في مجموعة صعبة تضم منتخبات، موريتانيا، بوركنيافاسو، جمهورية إفريقيا الوسطى، ومنتخب البلد المُضيف، تنزانيا، حيث قدّم كرة قدم متوازنة جمعت بين الانضباط الدفاعي والجرأة الهجومية، وهو ما سمح له بانتزاع بطاقة العبور عن جدارة في آخر جولة، بعد فوزه على بوركينافاسو بنتيجة 2-1، في ملعب "أمان"، بزنجبار، ليحتل وصافة المجموعة بفارق الأهداف عن منتخب موريتانيا. وهو الأمر الذي جعل لاعبو المنتخب الملغاشي يبعثون برسالة واضحة: مدغشقر ليست مجرد ضيف شرف في البطولة، بل منافس قوية وطموح.
ربع النهائي: ملحمة أمام كينيا
جاء الدور ربع النهائي ليضع مدغشقر أمام أصعب اختبار لها في البطولة، بمواجهة منتخب كينيا، أحد المستضيفين للبطولة مدعوما بجماهيرها بقوة. كانت المباراة التي أجريت في نيروبي، أمام مدرجات مملوءة، درامية بكل تفاصيلها، إذ تقدم الكينيون في بداية الشوط الثاني عن طريق اللاعب، ألفونس أوميغا، مما أشعل المدرجات وأربك حسابات "الباريا"

جاءت ردة الفعل سريعة من طرف الملغاشيين، حيث تحصّلوا على ركلة جزاء ترجمها، فينهاسينا رازافيمارو، إلى هدف التعادل، ليعيد منتخب بلده إلى أجواء اللقاء. استمر الصراع مُحتدمًا حتى صافرة النهاية، ومع بقاء التعادل بنتيجة 1-1، لجأ المنتخبان إلى ركلات الترجيح التي لمع من خلالها اسم الحارس المخضرم، ميشال رامانديمبوسوا، الذي تصدى لركلة ترجيح حاسمة، فيما تكفّل توكي راكوتوندرايب بتسجيل الركلة الأخيرة التي منحت "الباريا" تأشيرة المرور إلى نصف النهائي. كانت تلك اللحظات تاريخية وأكدت نضج هذا المنتخب الملغاشي وقدرته على التعامل مع ضغط المباريات الكبيرة.
نجوم "الباريا": بصمات فردية صنعت الفارق
برزت وراء الأداء الجماعي المميز لمنتخب مدغشقر، أسماء صنعت الفارق ولفتت الأنظار بمهاراتها وإصرارها. في مقدمتهم حارس المرمى المخضرم، ميشال رامانديمبوسوا، الذي سبق له التتويج ثلاث مرات بلقب أفضل لاعب في المباراة التي يقدمها الراعي الرسمي، توتال إنيرجيز، حيث كان بطل ليلة ربع النهائي أمام كينيا، حيث تصدى لركلة ترجيح حاسمة، وأثبت أن خبرته بين الخشبات الثلاث تمنح منتخب بلده أمانًا وثقة في أصعب اللحظات.

خطف الأضواء في الخط الأمامي المهاجم فينهاسينا رازافيمارو، الذي تميز بذكائه في التحركات وحضوره الذهني في الأوقات الحاسمة. كما كان هدفه من ركلة جزاء أمام كينيا بمثابة نقطة تحول أعادت مدغشقر إلى المباراة وأحبطت حماس أصحاب الأرض.
قدّم اللاعب، توكي راكوتوندرايب، هو الآخر أداءً رائعًا في خط وسط الميدان طيلة مشوار مدغشقر في البطولة، حيث جمع بين الافتكاك والتمريرات الدقيقة، وكان صاحب ركلة الترجيح الأخيرة التي حملت منتخب بلاده إلى نصف النهائي. هذه اللحظة جسّدت شجاعة اللاعب وقدرته على تحمل ضغط المسؤولية في مشهد حاسم سيبقى محفورًا في ذاكرة الجماهير.
قمة واعد في المربع الذهبي أمام السودان
خطف منتخب مدغشقر بطاقة العبور إلى نصف النهائي بعد انتصار ثمين أمام كينيا، ليضرب موعدًا في قمة واعدة أمام منتخب السودان، الذي الحصان الأسود الآخر في هذه البطولة.
سيلاقي المنتخب الملغاشي نظيره السوداني في مواجهة ستُجرى في، دار السلام، تنزانيا، يوم الثلاثاء 26 أغسطس، بدءا من الساعة الخامسة ونصف مساء، على ملعب، بنجامين مكابا، وسط ترقّب وشغف واسع من الجماهير، حيث يترقب الجميع لمعرفة إن كان أشبال المدرب، راكونتدراب، سيواصلون كتابة الفصل الأجمل في حكايتهم، أم أن المغامرة ستتوقف عند هذا الدور.

هل سيتواصل كتابة التاريخ؟
يعتبر مشوار منتخب مدغشقر في بطولة "شان"، توتال إنيرجيز، قصة إيمان جماعي بأن كرة القدم يمكن أن تصنع المستحيل. من المشاركة الأولى التي صنعت المفاجأة، إلى الحلم المتجدد في نصف النهائي، أثبت "الباريا" أن الطموح حين يقترن بالعمل والإصرار يصنع أساطير جديدة. يقف بعد كل ما فعله هذا المنتخب على أعتاب فرصة تاريخية أخرى، إما لكتابة ملحمة جديدة تزين ذاكرة الكرة الإفريقية، أو لتأكيد أن "الباريا" بات رقمًا صعبًا في معادلة كرة القدم الإفريقية لا يمكن تجاوزه في المستقبل.